عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
133
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
( 49 ) سورة الحجرات مدينة وآيها ثماني عشرة آية بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّه ورَسُولِه واتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 1 ) * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا ) * أي لا تقدموا أمرا ، فحذف المفعول ليذهب الوهم إلى كل ما يمكن ، أو ترك لأن المقصود نفي التقديم رأسا أو لا تتقدموا ومنه مقدمة الجيش لمتقدميهم ، ويؤيده قراءة يعقوب * ( لا تُقَدِّمُوا ) * . وقرئ « لا تقدموا » من القدوم . * ( بَيْنَ يَدَيِ اللَّه ورَسُولِه ) * مستعار مما بين الجهتين المسامتتين ليدي الإنسان تهجينا لما نهوا عنه ، والمعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به . وقيل المراد بين يدي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم وذكر اللَّه تعظيم له وإشعار بأنه من اللَّه بمكان يوجب إجلاله . * ( واتَّقُوا اللَّه ) * في التقديم أو مخالفة الحكم . * ( إِنَّ اللَّه سَمِيعٌ ) * لأقوالكم . * ( عَلِيمٌ ) * بأفعالكم . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَه بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 ) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّه قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 3 ) * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) * أي إذا كلمتموه فلا تجاوزوا أصواتكم عن صوته . * ( ولا تَجْهَرُوا لَه بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ) * ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته محاماة على الترحيب ومراعاة للأدب . وقيل معناه ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا وخاطبوه بالنبي والرسول ، وتكرير النداء لاستدعاء مزيد الاستبصار والمبالغة في الاتعاظ والدلالة على استقلال المنادى له وزيادة الاهتمام به . * ( أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ ) * كراهة أن تحبط فيكون علة للنهي ، أو لأن تحبط على أن النهي عن الفعل المعلل باعتبار التأدية لأن في الجهر والرفع استخفافا قد يؤدي إلى الكفر المحبط ، وذلك إذ انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة . وقد روي : أن ثابت بن قيس كان في أذنه وقر وكان جهوريا ، فلما نزلت تخلف عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم فتفقده ودعاه فقال : يا رسول اللَّه لقد أنزلت إليك هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط ، فقال عليه الصلاة والسلام : « لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة » . * ( وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) * أنها محبطة . * ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ ) * يخفضونها . * ( عِنْدَ رَسُولِ اللَّه ) * مراعاة للأدب أو مخافة عن مخالفة النهي . قيل كان أبو بكر وعمر بعد ذلك يسرانه حتى يستفهمهما . * ( أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّه قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ) * جربها للتقوى ومرنها عليها ، أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها ، فإن الامتحان سبب المعرفة واللام صلة محذوف أو للفعل باعتبار الأصل ، أو ضرب اللَّه قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى ، فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار عليها ، أو أخلصها للتقوى من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه . * ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) * لذنوبهم . * ( وأَجْرٌ عَظِيمٌ ) * لغضهم وسائر طاعاتهم ، والتنكير للتعظيم والجملة خبر ثان لأن ، أو استئناف لبيان